غرِقَ إبراهيم؛ لكن لم يغرقْ حلمه تقرير إعداد دكتور/ عبدالله ادريس عبدالله  معسكر ود شريفي24 -06-2022 (موفد سونا) عند الظهيرة وأمام مكتب معتمدية اللاجئين بمعسكر ود شريفي لفت انتباهي فتىً في نهاية العشرينيات من العمر يحاول أن يمسح العرق الذي يكاد يغرق فيه وجهه من غزارته بسبب شدة الحر، وفي نفس الوقت يحاول أن يحافظ على توازنه خوفاً من السقوط أرضاً، فهو يقف على قدم واحدة وعصاتين؛ فساقه اليمنى مبتورة من عند الركبة إثر حادث حركة تعرض له في عام ٢٠٠٩م، اقتربت منه وسألته ما الذي يجبرك على الوقوف تحت هذه الشمس الحارقة؟، قال بصوت واهن :(إن نار الحاجة التي أقف عليها أشد مائة مرة من هجير الشمس التي أقف تحتها)، فأيقنت أني أمام قصة تفرض نفسها فسارعت إلى خطب وده بكوب شاي، فقلت (إذا لم تمانع لما لا نستظل بتلك الشجرة وتحكي لي قصتك ونحن نتناول كوب شاي؟)، فرفض بكبرياء، لكن بعد إلحاح مني وافق على أن يشرب كوب ماء فقط. 

أخبرني بأن اسمه وليد عثمان إبراهيم؛ من لاجئي معسكر ود شريفي، إرتيري الجنسية، سوداني المولد والهوى، فقد ولد هو وأخوته الـثلاثة عشر في هذا المعسكر ويخشى أن يموت فيه ولم يحقق حلم حياته بالهجرة إلى أوروبا وتحديداً إيطاليا من أجل تَعويض إخوته مشقة الحياة التي يعيشونها في هذا المعسكر، وأضاف وليد عثمان أن أسرته لجأت إلى السودان بعد عامين من تأسيس هذا المعسكر. معسكر ود شريفي تم تأسيسه في مطلع العام 1984 ويقع جنوب مدينة كسلا وعلى بعد ١٣ كيلومترا منها، وتم تأسيسه بهدف استقبال اللاجئين الإريتريين في مطلع العام 1982م بعد تدفقهم إلى السودان إثر حروب التحرير التي كانت تدور بأرتيريا حيث بلغ تعدادهم في العام 1986م ما يقارب المليون لاجئا. فيما يوضح أمير عبد المحمود مقبول مدير المعسكر من قبل معتمدية اللاجئين أن عدد اللاجئين الآن هو ٢٩ ألفا، وأن المعتمدية لا تدخر وسعاً في تذليل الصعاب التي تقابل هؤلاء اللاجئين وذلك بعملها كمنسق ومشرف على المنظمات العاملة في المعسكر سواء أكانت وطنية أم أجنبية مع توفير الحماية للاجئين.

لكن وليد عثمان لم يخفِ تبرَّمه من التقليص المستمر في الخدمات الغذائية والتعليمية والعلاجية المقدمة للاجئين من قبل المنظمات العاملة عن ذي قبل ومُدلِّلاً على ذلك بهجرة أغلب طلاب وطالبات المعسكر من مدرستي الأساس بسبب توقف الدعم الذي كان يأتي إلى المدرستين ومن ثم يقدم لأولئك التلاميذ. وفي مجال الخدمات الغذائية فقد أوضحت الأستاذة السلوى عمر أحمد؛ المشرف الإداري بالمعسكر أن برنامج الغذاء العالمي توقف منذ فترة عن تقديم المواد التموينية واستعاض عنها بتقديم مبالغ نقدية تتمثل في مبلغ ٣٦٠٠ جنيها تدفع لكل فرد أول كل شهر، مضيفة بأن هذا المبلغ يسقط في حال عدم الحضور والاستلام في اليوم المحدد للصرف بغض النظر عن السبب الذي حتم على الشخص المعني عدم الحضور. والحديث للمشرف الإداري بالمعسكر وتقول :(ليس هذا فحسب بل أن كل أفراد الأسرة يصبحون خارج دائرة الدعم المالي في حال وصول أي فرد من أفراد تلك الأسرة سن الثامنة عشرة بغض النظر عن عدد أفراد تلك الأسرة)، كاشفة في الوقت نفسه عن أن عدد الأسر التي تتمتع بذلك الدعم الآن ورغم قلته ووفق تلك الشروط القاسية على حد وصفها قد تقلص ليصل إلى ٦٦١ أسرة من أصل ٢٩ ألف شخص هم لاجئو هذا المعسكر، معتبرة أن تلك الخطوة بمثابة سياسة تجويع في ظل عدم وجود أي مصدر دخل حقيقي بديل لأولئك اللاجئين يغطي حاجاتهم الأساسية.  فيما أكد اللاجئ وليد عثمان إبراهيم أنه حاول الهجرة غير الشرعية في العام قبل الماضي عبر معبر حلايب وشلاتين في ٢٠٢٠م لكن المحاولة فشلت بسبب عدم قدرته على توفير كل المبلغ المحدد من قبل المهربين وفشله في إقناعهم باستلام المبلغ المتوفر معه وقبول وعده بسداد المبلغ عند وصوله إيطاليا.   فيما قال احد الافراد المسئولين عن رصد حركات اللاجئين داخل المعسكر والذي رفض ذكر اسمه قال :(من خلال مصادرنا تأكدنا من نجاح ٢٣ شابا من أبناء المعسكر في الوصول إلى إيطاليا عبر الهجرة غير الشرعية في يوم ٣ يونيو الجاري)، واصفاً هذا العدد بالكبير، ومبيناً أن تداول مثل هذه الأخبار يعتبر حافزا للشباب بالمعسكر فتعقبها (تكل الاخبار) دائماً محاولات هجرات كبيرة، مؤكداً أنه رغم أن اللاجئين يعلمون سلفاً أن الذين ابتلعتهم مياه البحر أو رمال الصحراء أو قتلوا على أيدي عصابات الإتجار بالبشر أضعاف أضعاف من نجوا لكنهم يصرون على السير في نفس الدرب وبنفس الأسلوب .  وهذا ما أكده اللاجئ جمعة محمد (٣١ عاما) من أن عدد الذين ابتلعتهم مياه البحر الأبيض المتوسط فقط في الفترة من ٢٠١٠م إلى ٢٠٢٠م من الذين يعرفهم بصورة مباشرة أو له سابق معرفة بأسرهم بلغ ١٩٠ شابا، أما من تمسكهم عصابات التهريب الآن وتطالب بفدية فأكد أن عددهم ٣٠٠ فردا والرابط بينهم أن أعمارهم لا تتجاوز العشرين ربيعا. فيما أكد اللاجئ وليد أن الحلم بحياة أفضل هو الدافع الحقيقي للهجرة إلى الدول الغربية خاصة في ظل الفقر المدقع الذي يحيط بهم من كل جانب، ودلل على ذلك بانتشار مرض الفقر (السل الرئوي) بين سكان المعسكر إذ تجاوز ٣٠٠ شخصا وهؤلاء الذين تم تسجيلهم بصورة رسمية، ناهيك عن الذين لم يسجلوا إما لجهلهم بخطورة المرض أو خوفهم من أن يصيروا منبوذين من أفراد المجتمع، واصفاً الخدمات الطبية التي تقدم بمستشفى المعسكر بالضعيفة وأن المستشفى يفتقر إلى كثير من التخصصات والمعينات التي يحتاجها؛ على حد وصفه. ويرجع وليد عثمان ويؤكد أنه لو تمكن من توفير المبلغ المطلوب والذي تشترطه عصابات الهجرة غير الشرعية فلن يتردد في الإقدام على المخاطرة مرة أخرى، معتبراً أن العيش في معسكر ود شريفي موت بطيء أفضل منه الموت على سواحل إيطاليا.  فيما شدد المسؤل الأمني كجهات مناط بها توفير الحماية والأمن للاجئين شدد على إنهم لا يدخرون وسعاً في التضييق على عصابات الإتجار بالبشر ومحاربتها وضربها بيد من حديد، موضحاً أن تلك العصابات تستخدم آليات وتقنية أحدث من التي يستخدمونها، لكنه استدرك وأكد انهم يتفوقون عليهم بالخبرة والعزيمة.

كما أوضح مسئول بمعسكر ود شريفي :( أن عملية محاربة الإتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية تحتاج إلى تضافر الجهود وتوفير موارد كبيرة سواء أكان على مستوى الدولة أم الإقليم أم العالم ). وعن مأساة شقيقه الأصغر المسمى على اسم جده إبراهيم تيمناً به يقول وليد والعبرة تملأ صوته والدموع تسيل على خديه قال :( أخي لم يكمل السبعة عشر ربيعا عندما غرق القارب الذي كان يحمله على ظهره في عرض البحر الأبيض المتوسط في الطريق إلى إيطاليا لكن حلمنا بحياة أفضل لم ولن يغرق)، وأخذ يعدد المبالغ التي دفعوها من أجل تأمين نفقات ترحيل أخيه إلى عصابات الهجرة غير الشرعية وقال :(٤٠٠ دولار تم دفعها لترحيله من معسكر ود شريفي إلى الخرطوم، ثم ٢٥٠٠ دولار من أجل ترحيله من الخرطوم وحتى سواحل إيطاليا)، وأـضاف أنهم اضطروا لدفع مبلغ ٧٠٠ دولار كفدية للعصابة التي أسرت شقيقه داخل ليبيا وكانت تضرب شقيقه وتهدد بقتله في حال لم يتم الدفع، ويضيف من أجل توفير تلك المصروفات أجبروا على بيع قطعة أرض يملكونها في إريتريا. ويواصل حديثه ويقول وليد "كانت الطامة الكبرى لهم عندما تم إخطارهم بغرق القارب الذي يقل شقيقه قبالة سواحل ايطاليا" وعن وقع خبر غرق شقيقه يوضح أن والدته ما تزال تذرف الدموع غزيرةً حزناً وتكاد تموت كمداً كلما سمعت أحد اخوته يتحدث عن حلم الهجرة، أما والده فإنه كان أكثر تجلداً رغم الحزن الذي يكسو وجهه. ويقول وليد إن حلم أخيه إبراهيم بالهجرة إلى الغرب حلم آلاف الشباب إن لم يكن حلم كل شباب معسكر ود شريفي في ظل واقع أليم ومستقبل مظلم، وما لم يتحرك المجتمع الدولي ويقوم بواجبه تظل العبرة في حلق كل أسرة دفعت بابنها من حيث تدري أو لا تدري إلى باطن البحر الأبيض المتوسط في سبيل توفير عيش أفضل في واقع أليم لكل من ذاق طعم اللجوء المر.  وانا اهم بمغادرة ظل الشجرة التي نقف تحتها جزبني اليه وليد وهمس في اذني :(غرق اخي لكن لم يغرق حلمه).

أخبار ذات صلة